الجلد ولون البشرة مفتاح اكتشاف علاقتنا بالعالم

من أين يأتي التنوع الشديد في ألوان البشر؟ ما الذي يجعل لون الدم أحمر؟ من أين تأتي الألوان التي تحملها سوائل الجسم الأخرى
ما الذي يجعل الكدمة بغير لونها يوما بعد يوم ؟ ولماذا عيون الشقر وات غالبا زرقاء؟ من أين يرتسم اللون الأحمر الطبيعي علي الشفاه النضرة؟

 دكتور / عبد الناصر توفيق . بيليفيد - ألمانيا

كلنا نشاهد اللوحة الرائعة للألوان التي ترسمها الكائنات من حولنا وكلنا نعرف التنوع الفريد في الألوان التي يحملها الجنس البشري والسؤال هو من أين يأتي هذا التنوع العجيب؟ من البديهي أن تبادربالاعتقاد بأن الدرجات المتعددة من الألوان لابد وأن تحتاج إلي أعداد كبيرة من المواد
والصبغات الكيميائية وان الصبغات التي تلون الشعر يلزم أن تختلف عن تلك المسئولة عن الألوان الساحرة للعيون لكن المعجزة الإلهية الخارقة هي أن الكائنات الحية ومنها الإنسان لاستخدام في رسم هذه السيمفونية اللونية إلا مادتين فقط يهما تنتج عددا لايحصي من الألوان ويهما تلون أعضاء الجسم المختلفة والمادتان هما " الهيموجلوبين والميلانين".
بداية يتبادر إلي الذهن حادثة بسيطة في يوم كنت فيه مشغولا بالتفكير في احدي المسائل المهنية المستعصية فقررت تمضية بعض الوقت في حديقة المنزل أملا أن يهديني الله إلي بعض الأفكار المناسبة في أثناء ذلك رأيت بعض الأوراق تتدلي من احدي الأشجار فقررت قطعها راجيا أن تكون انشغالي بهذا العمل يهديني إلي الأفكار المرجوة عندما بدأت في تقطيعها ولعلي لم أكن قد تخلصت بعد من التفكير العميق حدث أن سهوت لبرهة فجرحت يدي حادثة بسيطة ولعلها مكررة ولكني مازلت حتي اليوم أجهل السبب الذي جعلني أمعن النظر إلي طريقة تدفق الدم وأنسيابة علي صفحة اليد قبل أن انتبه إلي النزيف الذي كان من الواجب وقفة للوهلة الأولي ذكرني هذا المنظر بصلة القرابة التي تربط بين اللون الأحمر للدم وبين اللون الأخضر للشجرة ولعل أسباب الدم علي خطوط اليد صورة مماثلة للخطوط التي نراها علي أوراق الأشجار لكن ذهني شرد لإلي منحني أخر نذكر من سنوات الدراسة أن هناك تشابها كبيرا بين تركيب المادة التي تعطي الدم لونه وهي أحد مكونات " الهيموجلوبين" المعروف وبين تركيب المادة الكلوروفلية التي تعطي أوراق الأشجار لونها الأخضر كلاهما تكون من جزئ عضوي معقد يأخذ شكل حلقة في مادة الهيموجلوبين الذي يحدث هو إحلال لذرة جديد في الموضع الذي تشغله ذرة الماغنسيوم أذن من هذا الفرق البسيط يأتي لون النبات الأخضر اليافع ولون
الدم الأحمر الوردي .

الصفائح الدموية :
- الصفائح الدموية .. ذرة حديد وأخري أوكسجين ..
 تحميها جزيئات الهيموجلوبين
- لون النبات الأخضر .. والدم الوردي .. من مادة واحدة

يعتبر قيام الهيموجلوبين بوظائفه الهامة علي وجود ذرة الحديد هذه وذلك بسبب أمكانية ربطها إلي ذرة الأكسجين في التكوين المعروف بالصفائح الدموية التي تقوم بنقل الدم من الرئة إلي أجزاء الجسم الأخرى وفي طريق عودتها تحمل ثاني أكسيد الكربون ولذلك فالصفائح الدموية هي خلايا خاصة جدا وذات أهمية كبري للجسم ويعمل الجسم علي ضمان قيامها بوظيفتها في أفضل صورة من خلال إحاطتها بجزئيات الهيموجلوبين ومن خلال شكلها المستوي وهو ما يتضمن لها أعلي مساحة تفاعل
وبالتالي أعلي كفاءة في تبادل غازي الأكسجين وثاني أكسيد الكربون من خلال عدم وجود أنويه خلوية بها من الصفات الأخرى المعروفة عن الصفائح الدموية هي طولها الذي لايتعدي 0,007 من المليمتر وعددها الذي يصل إلي 25 بليون صفيحة والأعجب من كل هذا هوان الوحدة منها تقطع في اليوم الواحد حوالي 15 كيلو متر في سباحة متواصلة.
من خلال عملية حسابية بسيطة للمقارنة بين المسافة التي تقطعها الصفائح الدموية ذات الطول 000007 متر في ليوم وبين المسافة التي يقطعها الإنسان بعد معادلة طوله البالغ في المتوسط 1.7 متر مع طولها نجد أنه يلزمه يسبح في اليوم الواحد ما يقرب من 1200000 ضرب 15 من الكيلو متر أي ما يقرب من 18 مليون كيلو متر أو 750 ألف كيلو متر في الساعة الواحدة.
إذا عدنا مرة أخري إلي تعداد أوجه التشابه بين الكلوروفيل والهيموجلوبين نجد إن الدراسات الحديثة في بيولوجيا تطور الكائنات الحية قد أثبت أن هذين الجزئيتين في حقيقتيها هم جزئ واحد وانه في وقت ما من تاريخ التطور قد انفصلا وظهر يهما الاختلاف الذي ذكرناه في النواة التي تحتل مركز حلقة بورفورين أذن فلا غرابة أن يشعر البعض منابوجود صلة وثيقة مع عالم النبات . ولعل ذهني قد شرد صوب هذه القرابة التي تربطنا بعالم النبات عندما عن لي أن أمعن التفكير

تلون الجرح  :
والجرح الذي تحدثنا عنه يعطينا مناسبة أخري لاستكمال لحديث عن دور الهيموجلوبين في الألوان علي الجلد بعد إجراء الإسعافات الأولية وتغطية الجرح بشريط طبي لاصق كان لونه في البداية يميل إلي الخضرة أو الزرقة في اليوم ألتلي أصبح اللون الغالب عليه البرتقالي الداكن بعد يوم أو أثنين أصبح موضع الجرح أصفر هذه اللوحةالفنية اللونية المسئولة عن رسمها هي الصفائح الدموية وان شئنا الحديث بمصطلحات علمية أدق نقول أن التغيير في اللون يحدث بسبب مادة الهيموجلوبين أو بمعني آخرأكثر دقة هو بسبب تكسر الهيموجلوبين

حول موضع الإصابة ففي اللحظة التي يحدث الجرح تنقطع الشعيرات الدموية ويطفق الدم يسيل إلي الخارج الصفائح الدموية النازفة تبقي حول الجرح للتخثر ولا تغادره ولا تعود مرة أخري إلي عملها المألوف في نقل الأكسجين وثاني أكسيد لكربون تخثرها أو كسرها تنتج عنه الألوان المختلفة إلي ناهدها علي الجرح ويعطينا إمكانية للتعرف علي التفاعلات التي تحدث داخل الجسم .
الشعيرات الدموية التي تنتشرفي ا لطبقات الخارجية من الجلد هي المسئولة عن اللون الأحمر المميز يظهر اللون الأحمر الفاقع جلياً إذا وضعت يدك فوق مصدر للضوء ( بالقرب من مصباح ) طبياً نعرف أن جلد لشفاه والفم هو الأرق علي الإطلاق فإذا تواجدت أسفله الشعيرات الدموية الرقيقة بكميات كبيرة وما تحمله من صفائح ملونه ستبدو الشفا حمراء براقة بلون الدم أيضاً يأتي اللون الأحمر للفم واللسان وإذا كان الإنسان يتمتع بصحة جيدة ونال قدراً مناسباً من الراحة والاستجمام فإن دورة الدم ستكون باستمرار علي العكس إذا كان الإنسان متعباً ومنهكاً وسيعمل الجسم علي سحب لدم إلي الداخل ولا تبدو فقط الشفاه ومنطقة الفم بل الرأس كلها أحبة اللون متعبة

علامة بارزة  :
وعلي هذا فلون الشفاه الأحمر هو العلامة البارزة علي تمتع الإنسان بصحة جيدة ولذلك نجد الأدبيات الإنسانية تذكر الشفاه المتوردة علي أنها العلامة الأولي الدالة علي أسرار الجاذبية ونؤمن بالمثل القائل الأمهات المتمتعات بصحة يلدن دائم أطفالا أصحاء كما سنري لاحقا يتخطي الدور ألتلويني للهيموجلوبين الأعضاء التي ذكرناها ويظهر أيضاً  في المناطق الأخرى من الجسم أبرزها منطقة العين ومن خلال طيف الألوان التي تحملها العين نعرف الكثير عن الأعراض المرضية في الجسم .
الميلانين :
الحديث السابق عن الألوان النضرة للشفاه وما يرتبط بها من علامات الصحة والجاذبية يقودنا إلي الألوان المتعددة للجلد فاللون الشاحب للوجه تتسبب فيه كذلك غياب مادة تعرف بالميلانين وهي المادة المسئولة عن اللون الداكن للجلد الميلانين مادة تقوم بعده وظائف منها إنها توفر حماية عالية ضد مخاطر الأشعةالفوق بنفسجية وتأثيرها ألتلويني والحماني هذا يتعدي الجلد إلي الشعر إلي الأجزاء الأخرى من الجسم فيسببها يتلون الشعر باللون البني أو الأسود وكذلك العيون وللدقة نقول أن لون الجلد يتحدد بمدي تركيز وطريقة خلط مكونين من مكونات الميلانين وهما " أويميلانين" وهو المكون الأكثر شيوعا " والفيوميلانين" وهو المكون الأكثر ندرة الأويميلانين هو الصبغة المسؤلة عن اللون والأبيض في الشمال إلي الأصفر والنحاسي في لأسيا والهند إلي البرونزي والأسمر في القوقازي والي الاستوائية والتوزيع غير المتوازن لهذين المكونين تنتج عنه الخطوطالفاقعة علي الجلد مثل النمور والقطط البرية والكلاب المهجنة وغيرها.

لون العين :
- عيون الشقراوات زرقاء والشفاه الناضرة حمراء ..
بسبب الشعيرات

- ألوان العيون ترسمها الميلانين

يتحدد لون العيون من خلال تركيز مادة الملاينين كلما ازدادت كميتة كان لون العيون بنيا العيون الخضراء والزرقاء تحتوي علي صبغات أخف من الميلانين والتأثير الجذاب لهذين اللونين ينشأ من ظواهر الانكسار الضوئي خلالهما قلة تركيز الميلانين في الشقراوات ( الناجم عن ندرته في الجلد الأبيض أو الأحمر) هو المسئول عن الألوان الفاتحة لعيونهن وغالبا ما تكون عيون الشقراء زرقاء اللون وللعلم فالأطفال حديثي الولادة يكون لون شعرهم أشقر ( فاتحا) وتكون عيونهم صافية أو زرقاء هذا حتي لو تغير اللون فيما بعد ويرجع هذا إلي خلايا الجلد المسئولة عن إنتاج ماده الميلانين( الميلا نو سبتين) لابتدأ عملها إلا بعد مضي عدة أشهر من الولادة إذا لم تتمكن الميلان وستين بسبب أو بأخر في إنتاج الميلانين كما في مرضي البهاق والبرص يستطيع الإنسان أن ينفذ بنظرة من خلال جدار الحدقة غير الملونة ليري الأوعية الدموية التي تغذي قاع العين ولهذا يكون لون هذه العيون
أحمر فاقعا ناجما عن اللون المميز للهيموجلوبين ويمكن إن نشرح ظاهرة اللون الأحمر لقاع العين من خلال آلات التصوير مثل الكاميرات الضوئية المعروفة التي تستخدم ما يسمي بتأثير العين الحمراء وهو التأثير الضوئي
الناجم عن نظر العين مباشرة ألي عدسة الكاميرا أثناء إطلاق الأخيرة لضوء المصباح المصاحب في الكاميرات البسيطة يحدث إن يفقد ضوء المصباح ألي داخل العين فينعكس علي قاعها
وعند ارتداده تظهر أعين في صورة حمراء اللون نتيجة لانعكاس لون الشعيرات التي تغطي جدار العين الكاميرات الحديثة تصحح هذا اللون الأحمر المنعكس أثبتت الأبحاث البيولوجية أن وظيفة الملآنين تتخطي كونه مجرد صبغة تلون الجلد والشعر والعيون وغيرها من مناطق الجسم ففي الأشخاص المصابين بالبرص والبهاق ( وكذلك الحيوانات المصابة بنفس المرض) أثبتت الدراسات أنهم يعانون من اضطرابات في الرؤية وفي السمع ومن عدم القدرة علي التوازن في الإنسان تعرف هذه الأعراض تحت اسم إعراض" وارينبورج" ووارينبورج هو طبيب عيون معروف هولندي الجنسية ويحمل اسمه مرض نقص الصبغة في العيون يصاحب هذا المرض أيضا نقص في صبغة الجلد الشعر وضعيف شديد السمع ولهذا فإن الميلانين لم يعد ينظر إليه الآن علي أنه مجرد صبغة بل هو في حقيقة الأمر حامل للإشارات في الجهاز العصبي.
خلال الأعوام الأخيرة ظهرت عدة دراسات أثبتت أن نقص الميلانين لايظهر تأثيره علي الأعضاء المذكورة فقط ( أي الأعضاء المكتملة النمو) بل إن له تأثير ات أكثر عمقا فتأثير نقصه يظهر خلال المراحل الأولي من تطوير الجنين وخاصة علي الأعضاء المسئولة عن تأدية الوظائف الحسية وغالبا ما ينتج عن ذلك أيضا تشوهات في تركيب المخ وفي طريقة تنظيم
وتوافق عمل الأجزاء المختلفة من الجسم.
الخلايا المحتوية علي كمية اكبر من الميلانين ( ذات اللون الداكن) هي الأقدر علي توجيه وربط أهم الخلايا العصبية يبعضها البعض ومن ضمنها تلك الخلايا التي ستقوم فيما بعد بنقل إشارات الرؤية والسمع وغيرها علي سبيل المثال نلاحظ المصابين بالبرص والبهاق لايكتمل فيهم نمو الأذن الداخلية أي أن الميلانين لايلعب دورا بصريا مهما للحياة بل أنه يؤدي دورا صوتيا وظائف حسية هامة.

تنوع هائل :
تكمن المعجزة الإلهية الخالدة أذن في إنتاج التنوع الهائل لألوان البشر في وجود مادتين اثنين فقط هما " الهيموجلوبين والميلانين" وتأثيرهما لايتوقف عن التلوين رغم أهميته بين البشر بل يتعداه إلي وظائف أخري أكثر أهمية للحياة تشمل الوظائف الحيوية للهيموجلوبين التنفس وتزويد الجسم بالأكسجين وتخلصه من ثاني أكسيد الكربون ونقل الغذاء والمركبات الحيوية والاخري والدفاع عن الجسم وغيرها ومن وظائفه البصرية التلوين علي الجلد والشفاه والعيون وغيرها من مناطق الجسم.
وكم هي راقية حقا الرؤية الإسلامية لاختلاف الألوان وبأنها من الآيات الإلهية المعجزة لكن كم هو عظيم أيضا أن يقرن الإسلام بين الإعجاز في التنوع اللوني بين البشر وبين عدم محاكمتهم ومحاسبتهم علي أساس ألوانهم من خلال إعمالهم ومدي تقواهم وخوفهم من الله الخالق لكل شئ قال تعالي" من أياتة خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم أن في ذلك لآيات للعالمين" صدق الله العظيم.

Designed By Mohamed Nassar